غمارة على عهد الأدارسة

كانت قبائل غمارة سباقة لمبايعة مولاي إدريس بن عبد الله عند حلوله المغرب، وكان ذلك عام 172/ 788(2). ويشهد التاريخ على أن غمارة كانت لهم على الأدارسة يد بيضاء، وكان لهم في التمسك بدعوتهم آثار ومقامات، حيث أطاعوهم وأخلصوا لدعوتهم وأنزلوهم منازلهم، واستمرت دولة الأدارسة عندهم ما لم تستمر في أية جهة أخرى من المغرب. وقد لاحظ هذا المؤرخ عبد الواحد المراكشي، حيث أشار إلى أن غمارة تنقاد لهؤلاء الحسنيين، وأهلها يعظمونهم تعظيما مفرطا.

وعندما قسم محمد بن إدريس أعمال المغرب بين إخوته برأي جدته كثرة أم إدريس، اختص منها عمر بن إدريس بقبائل غمارة وصنهاجة. واتخذ تيجيساس قاعدة له، فبنى بها القلاع والحصون ومختلف مرافق الحياة، حتى جعلها تتحكم في منطقة الريف الغربي من سبتة غربا إلى مدينة النكور شرقا. وظل عمر في حكم هذه البلاد إلى حدود وفاته عام 220/ 835، فعهد الأمير محمد بن إدريس حكم المنطقة إلى ولد عمر المدعو علي. وعندما استولى ابن أبي العافية على فاس وأعمال المغرب، أجلى الأدارسة الذين تحيزوا إلى غمارة وبلاد الريف وغيرها من المناطق المغربية.

وبذهاب الأدارسة ملك بنو أمية غمارة في عهد المستنصر بالله، وذلك بعدما قضى على آخر معقل للأدارسة وعلى رئيسهم آنذاك الحسن بن كنون، الذي تحصن بقلعة حجر النسر، والذي ظفر به غالب بن عبد الرحمان الوزير القائد الأعلى بالمغرب للخليفة المستنصر بالله الأموي في أواخر شهر ذي الحجة عام 362هـ وسيق الحسن بن كنون إلى الأندلس عام 364/ 974. ولما انقرضت دولة بني أمية في الأندلس عام 407/ 1016، قامت الدولة الحمودية، فحكمت بلاد غمارة قبل أن يستولي عليها المرابطون بعد حروب طاحنة دارت بينهم وبين الغماريين.

لقد ظل الغماريون أوفياء للأدراسة ومثبنين لقضيتهم وأصبحوا جندهم وخدامهم. وخاضوا بهم حروبا كثيرة، منها تلك التي قادها الأدارسة ضد بورغواطة، وشارك فيها أهل غمارة بحماس منقطع النظير. لقد عبروا لهم عن ولاء ومحبة لا حدود لهما حتى انقرضت دولتهم، ووجد من بقي من الأدارسة بمنطقة غمارة موطنا لهم ، حيث اندمجوا بأهل البلد واكتسبوا عاداتهم وأصبحوا جزءا أساسيا منهم.

جامع الإحسان بترغة

يوجد هذا الجامع شمال قرية ترغة بمدشر تندمان بقبيلة بني زيات ، بناه مولاي عمر بن إدريس الثاني حاكم تيجيساس، ويعد من المآثر التي ما زالت تقوم بدورها إلى اليوم .

يحتل هذا المسجد مساحة تفوق 500م2، تتوزع مابين بيت الصلاة عرضه 15،20م وعمقه 6.10م، مقسم إلى بلاطين أفقيين وخمس بلاطات عمودية متجهة نحو جدار القبلة. وهذا التصميم هو الذي نجده في المساجد المغربية العتيقة سواء في الحواضر الكبرى أو في البوادي. ويتقدم بيت الصلاة صحن واسع، وبجانبه سكنى الإمام وتقابله مجموعة من الغرف المخصصة لإيواء الطلبة الذين يأتون المسجد من مختلف نواحي غمارة والريف لمتابعة الدراسة على الطريقة التقليدية، ذلك أن هذا المسجد عرف كذلك بالدور الذي لعبه ولا يزال يلعبه في تعليم القرآن وعلوم الفقه، وتعتبره الذاكرة المحلية أهم مدرسة دينية بالمنطقة والمشهورة بالمستوى الرفيع لتعليمها. ويزخر تاريخ علوم القرآن بأسماء علماء ترغيين أجلاء لعل أشهرهم شيخ القراء في عصره محمد بن يوسف الترغي المتوفى عام 1009هـ. وقد تصدى للتدريس فيه مدة الشيخ العياشي أعراب، وحاليا يلازمه الفقيه عبد الله الميموني.

العنوان: قبائل غمارة تاريخ وأعلام

المؤلف: بوعبيد التركي

منشورات باب الحكمة تطوان

الشاون بريس

يتبع…

مشاركة المقالة على :
اترك تعليقاً