تحية إعلامية للزوار الكرام ومرحبا بكم في موقعكم الشاون بريس           
صوت وصورة

زهير الركاني: نجاحك بين يديك


باسو يتجول في مدينة شفشاون في تاكسي "فين غادي"

 
أدسنس
 
النشرة البريدية

 
 


رواية “التطاونيات”… فطومة المختطفة والسيدة الحرة المغدورة


أضيف في 27 أبريل 2021 الساعة 11 : 14



رواية “التطاونيات”… فطومة المختطفة والسيدة الحرة المغدورة


من خلال المخطوطات والوثائق التي كانت تملكها فطومة تبين لها أن هناك مدينتين إسبانيتين بالأندلس واللتين كانتا لهما تأثير قوي في إعادة بناء الأندلس من جديد بتطوان بعد سقوطها بإسبانيا. فالسقوط الحقيقي والنهائي للأندلس بالنسبة لفطومة لم يتم إلا بعد سقوط تطوان الأندلسية. وهذا لم يتحقق إلا بعد الانقلاب المشبوه على السيدة الحرة حاكمة تطوان و “أميرة الجبل والبحر”.

 

أرادت فطومة تعميق بحثها حول "الانقلاب المشبوه على السيدة الحرة" لأنها كلما أرادت أن تبحث فيه لم تجد ما يشفي غليلها. بل إن كل من تطرق إلى هذا الموضوع من محللين ومفكرين ومحققين إلا ومر مرور الكرام، ومكتف بذكر أن نهاية حكم السيدة الحرة كانت نهاية غامضة وحزينة، وبعد ذلك انقطعت أخبارها عندما استقرت بشفشاون غير مبال بالدسائس والمؤامرات الدولية والمحلية التي كانت تكيد لهذه السيدة المجاهدة الربانية التي كان أملها استرجاع الأندلس وأمجادها من جديد، وفعلا فقد كانت قاب قوسين أو أدنى من ذلك.

 

المدينة الأولى التي كان لها وقع قوي على بناء الأندلس من جديد في تطوان هي "بخير دي لافرونطيرا" الموجودة بإقليم قادس والثانية هي "بنيار" بإقليم غرناطة. فالمدينة الأولى هي المدينة التي ازدادت بها السيدة "كطالينا فرناندس" "Catalina Fernández" المرأة الإسبانية الأصل التي كانت مسيحية واعتنقت الإسلام، والتي سترزق بنتا وسيطلق عليها اسم السيدة الحرة. وبعد إسلامها أصبحت تدعى ب "لالة زهور" أو لالة الزهرة. أما أخوها فعرف ب "مارتين" وعلى اسمه أطلق اسم مدينة "مرتيل" حيث كان هو قائدها العسكري وهو من دبر شؤون الميناء الذي كان يطلق عليه آنذاك ميناء تطوان. وفي القرن السادس عشر كان هذا الميناء من أكبر وأهم موانئ البحر الأبيض المتوسط. وقد أشار عدد من المِؤرخين إلى أن ميناء مارسيليا بفرنسا كان ينافس ميناء تطوان ولم يأخذ ميناء مارسيليا الريادة بالبحر الأبيض المتوسط إلا بعد سقوط ميناء تطوان.

 

وقد كان مولاي علي بن راشد حاكم مدينة شفشاون ونواحيها وحفيد مولاي عبد السلام بن مشيش هو من سيتزوج السيدة "للا زهور" لتصبح أما لإبنته السيدة الحرة. ومولاي علي ابن راشد لم يكن أندلسيا لكنه شارك في عدة معارك بالأندلس وفي إحدى هذه المعارك تعرف على القائد المحنك "مارتين" الذي استقدمه لكي يكون حاكما على ميناء تطوان ومن خلاله تعرف على أخته "للا زهور" وتزوجها لتصبح أميرة شفشاون ومرشدة لحاكمها وأما السيدة الحرة المرأة التي حكمت ولاية تطوان من جبل طارق إلى مدينة أصيلة أزيد من 18 سنة. هذا بطبيعة الحال لا ينسينا المؤسس الحقيقي لمدينة شفشاون الذي كان يدعى الحسن بن جمعة وهو ابن عم علي ابن راشد، حيث استطاع أن يجمع عددا كبيرا من المجاهدين المغاربة على الضفة اليمنى من نهر شفشاون بهدف حماية الشواطئ المغربية من الغزاة بالخصوص حينها كان قد فقد المغرب سبتة وقصر المجاز. فالبرتغاليون والاسبان استبقوا خطورة المجاهد الحسن بن جمعة عليهم وعلى تطلعاتهم الاستعمارية فدبروا له مكيدة، حيث كان داخل مسجد بمنطقة جبل الحبيب واقفلوا باب المسجد عليه وأحرقواالمسجد بالكامل. ومولاي علي بن راشد الذي ازداد سنة 1440م فقد توجه إلى الأندلس سنة 1465م لمناصرة مملكة غرناطة سيعود من جديد إلى شفشاون لمناصرة المجاهدين هناك وهو أكثر خبرة في إدارة الحروب وإنجاحها ليخلف بعد ذلك ابن عمه المجاهد بن جمعة. فأول خطوة قام بها علي بن راشد هو نقل موقع مدينة شفشاون من الضفة اليمنى للنهر إلى مرتفعات الضفة اليسرى حيث بنى حصنا متينا والمعروف لحد الآن "بقصبة شفشاون" و منازل من حوله. ربما كان اختياره الجديد لمكان المدينة على المرتفع وتحصينها بقلعة كان قد استوحاه مولاي علي بن راشد من التجربة التي عاشها بالأندلس. فعندما تزورها يظهر لكهذا الأمر واضحا، لأن المدن التاريخية الإسلامية تتواجد كلها على المرتفعات.      

 

المدينة الثانية التي اكتشفت فطومة أن لها دورا كبيرا في بناء الأندلس الجديدة بتطوان هي مدينة "بنيار" مدينة علي المنظري الذي أعاد تأسيس مدينة تطوان أو مؤسس مدينة تطوان الأندلسية. فسيدي المنظري هذا كان قائدا عسكريا وحاكما لمدينة "بينيار" الأندلسية أيام حكم بني الأحمر لولاية غرناطة. ومازال اسم مولاي علي المنظري يذكر إلى يومنا هذا ببينيار حيث كان قائدها. كانت فطومة تحلم بقضيتين. الأولى هي أن تعترف اليونيسكو بالمدينة العتيقة لتطوان كتراث معماري عالمي للإنسانية جمعاء. والثانية هي إحداث توأمة بين مدينة "بنيار" ومدينة تطوان مادام حاكمهما واحدا هو القائد العسكري سيدي المنظري. كما كانت تحلم بأن هذه التوأمة يمكن أن تفتح الباب على مصراعيه للحصول على مخطوطات ووثائق تاريخية جديدة تؤرخ لتلك الحقبة الزاهرة، ويتم تبادل الخبرات في مجال تدبير التراث وربطه بالتنمية وهي فرصة للتعرف أكثر على شخصية  سيدي المنظري من خلال الملتقيات الدولية التي ستنظم بتطوان وكذلك بمدينة "بينيار" الإسبانية ولم لا إطلاق اسم مولاي علي المنظري على إحدى الساحات الجميلة لمدينة بينيار أو أحد شوارعها الكبيرة. كما كانت تحلم بإقامة توأمة بين مدينة شفشاون ومدينة بخير "ديلافرونطيرا" لقوة الروابط الموجودة بين المدينتين.

 

عندما أرادت فطومة الاشتغال على هذين الموضوعين بحثت على صور لهاتين المدينتين الاسبانيتين، وتأتى لها ذلك من خلال المكتبة العامة بتطوان. فعندما كانت فطومة تشاهد تلك الصور لمدينة "بينيار" الجميلة المترامية الأطراف بين الجبال على شاكلة مدينة تطوان كانت تحس وكأنها تتجول داخل التاريخ، والشيء الجميل هو من أي موقع من المدينة تظهر لك قصبة المنظري شامخة وصامدة على قمة الجبل وتحت هذه القصبة توجد مغارة كبيرة تم ترميمها حديثا. فأصبحت وجهة للعديد من السواح الدوليين يصلون إليها عبر قطار صغير وجميل المنظر يغري الزوار ركوبه. كما أن قصبة المنظري متناسقة مع مغارتها ب"بينيار" كما هو الحال بالنسبة للمدينة العتيقة لتطوان ومغارتها (المطامير)، كأن سيدي المنظري قام بتصميم نفس المدينةو نفس المغارة بمدينة تطوان.

 

كما كان ينتابها شعور غريب وهي تشاهد صور مدينة "بينيار"، شعور بالاعتزاز والفخر ممزوج بالحزن و الأسى. نفس الإحساس وهي تشاهد صور مدينة "بيخير دي لافرونطيرا" هذه المدينة البيضاء اللون التي تشبه إلى حد بعيد مدينة شفشاون المجاهدة. حيث ذكر بعض المؤرخين أنه من الشروط التي فرضتها للا زهور للزواج بأمير شفشاون مولاي علي ابن راشد هو أن يبني لها مكانا يشبه مدينة "بيخير ديلافرونطيرا" و فعلا عندما تتجول بهذه المدينة وكأنك تتجول داخل مدينة شفشاون، بالخصوص عندما تصل إلى منزل للا زهور تجده مشابها للعديد من المنازل الموجودة بشفشاون.

 

سؤال كان يحير فكر فطومة، وهو لماذا وقع الإنقلاب على السيدة الحرة رغم أنها كان مشهود لها بالكفاءة وحسن التدبير على جميع المستويات: الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية؟ حيث أصبحت الملاحة التجارية التطاونية تجول جميع أنحاء المعمور وبالخصوص البحر الأبيض المتوسط، والعسكري حيث أصبح جيش السيدة الحرة يضرب له ألف حساب على الصعيد العالمي، والسوسيوثقافي حيث كان هناك ازدهار ورفاهية بارزين على الحياة اليومية للأفراد، كما أن التعايش الثقافي بين المسلمين واليهود والمسيحيين كان واضحا للعيان وكان له دور كبير في بناء الأندلس من جديد في تطوان.

 

تساءل عدد كبير من المؤرخين عن الأسباب الحقيقية وراء هذا الانقلاب الجائر بعدما كانت السيدة الحرة تسير بشكل جيد وإتقان كبير أمور ولايتها كما كانت تشد بقبضة من حديد الشؤون والأحداث الخارجية بالخصوص بعدما تبين أن هذا الجيش الانقلابي كان يترأسه القائد محمد الحسن وهو صهر السيدة الحرة نفسها وبتآمر مع ابنه وبالتالي كانت خيانة ومؤامرة داخلية تسير وتتحكم فيها أياد خارجية.

 

ربما ضعف الدولة الوطاسية آنذاك والمعاهدات المبرمة مع أوروبا جعلت من الحاكم الوطاسي ينظر إلى السيدة الحرة كمصدر للاضطراب والانزعاج بالخصوص وأن الحلفاء الأوروبيين كانوا يشتكون باستمرار للسلطان الوطاسي من هجماتها المتكررة والعنيفة على شبه الجزيرة الأوروبية بحيث أصبح شغلهم الشاغل وهاجسهم الوحيد هو صد الأسطول البحري للسيدة الحرة والذي كان يتمتع بكفاءة عالية في ميدان الجهاد البحري. وبما أن الحاكم الوطاسي كان يمثل الحاكم المركزي للمغرب فهذا الوضع كان يحرجه و يجعله في موقف لا يحسد عليه، موقف متناقض بين مطرقة الأوروبيين وسندان السيدة الحرة العازمة على استرجاع هيبة المغرب والمغاربة في البحر الأبيض المتوسط حيث كانت تتمتع بحنكة كبيرة في تدبير المعارك والحروب البحرية كما كانت تتمتع بمواطنة مغربية عالية والتزام ديني فريد، فقد كانت امرأة ربانية عابدة ومخططة استراتيجية ومقاتلة محنكة في آن واحد.

 

أحمد الوطاسي حاول عدة مرات التفكير في توقيف حركة أسطول السيدة الحرة بالقوة، لكن بدون جدوى لأنها كانت تتمتع بشعبية كبيرة ليس فقط بشمال المغرب بل في جميع أنحاء المغرب، كما كانت والي الجهة الوحيدة التي تشفي غليل المغاربة عمليا وعلى أرض الواقع من هجمات الإبريين على الشواطئ المغربية بالإضافة إلى أن تحركاتها الناجحة اذ بدأت تعيد الاعتبار إلى المسلمين المطرودين من الأندلس بالخصوص الموريسكيين منهم والذين أهينوا من طرف الإبريين وطردوا شر طردة من الأندلس، لكن الهجمات البحرية الموفقة والمدروسة للسيدة الحرة بدأت تعيد لهم بعضا من الاعتبار الذي فقدوه كما فتح لهم باب آمال استرجاع قوتهم والعودة إلى الأندلس، أرض الأجداد المفقودة.

 

عندما لم ينجح الحاكم الوطاسي في ضبط الأسطول البحري للسيدة الحرة بدأ يستعمل طرقا ملتوية لذلك، ففي سنة 1541 وبعد وفاة المنظري زوجها، طلب يدها ليتزوجها ويضمها إلى قصره وبعدها يمكنه السيطرة عليها وإسكاتها. لكن تجربة وحنكة وفطنة السيدة الحرة جعلتها واعية بهدف المؤامرة ولكي لا تفسد للود قضية وأيضا لكي لا تفتح جبهات حربية أخرى اتخذت قرارا حكيما حيث طلبت من الملك الوطاسي القدوم إلى تطوان إذا كان فعلا يريد أن يتزوجها. وفعلا استسلم الملك إلى رغبتها وكانت سابقة في عالم الملوك حيث يعتبر أحمد الوطاسي الملك الوحيد الذي انتقل من المركز لكي يتزوج بالسيدة الحرة بمدينة تطوان.

 

هكذا حافظت السيدة الحرة على وجودها بتطوان المكان الذي تدير منه المعارك وعلى صداقة الملك المركزي الوطاسي. لكن الملك الوطاسي عند عودته إلى فاس لم ترافقه السيدة الحرة. هكذا مرت السيدة الحرة من امتحان عسير بنجاح كبير حيث أصبحت أكثر قوة كامرأة الملك المركزي ولم تبرح مكانها الذي تدير منه معاركها. عكس الملك المركزي الذي ازداد انتقادا من طرف الحلفاء الإبريين الذين أصبحوا يتوعدونه بهجوم كاسح على المغرب.

 

لم يعد أمام السلطان المركزي من حل لإبعاد السيدة الحرة عن الحكم بشمال المملكة وتوقيف نشاط أسطولها البحري إلا التخطيط لانقلاب داخلي عليها حيث نسق مع صهرها الذي استقدمه إلى فاس بدعوة مساعدته على بعض الأمور التنظيمية بتنسيق مع ابنه الذي كان يقطن بتطوان، وحينها خطط معهم للانقلاب المشبوه على السيدة الحرة.وفعلا في سنة 1542 قدم القائدان العسكريان إلى تطوان بجيش كبير ليلا واقتادوا السيدة الحرة إلى المجهول.

 

الكتاب: التطاونيات

 

للمؤلف: د.عبد الوهاب إيد الحاج

 

منشورات جمعية التراث والتنمية والمواطنة


الشاون بريس







 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



شفشاون على صفحات الانباء الكويتية: المدن العتيقة فضاء لتلاقح الحضارات

ساكنة جماعة سيدي رضوان بإقليم وزان تستنكر غياب المسالك والطرق بالمنطقة

حوادث بالجملة على الطريق الوطنية الرابطة بين تطوان وشفشاون هذا اليوم

محمد زيطان وأحمد السبياع يتوجان شفشاون بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب

بروفايل عن الكاتب والسيناريست أحمد السبياع

الدورة العادية لشهر أبريل 2013 بجماعة باب برد

الدورة 28 لملتقى الأندلسيات بشفشاون

العين الحمراء

"الاحتفاء بالدور الشفشاونية العتيقة" على صفحات جريدة القدس العربي

ليالي القذافي بشفشاون: تسيل مداد الكتاب المشارقة (الكردستاني بدل رفو نموذجا)

رواية “التطاونيات”… فطومة المختطفة والسيدة الحرة المغدورة





 
البحث بالموقع
 
مقالات وأراء

المعرفة أفقية أو أفقية عمودية متقاطعة

 
أدسنس