النفّار في رمضان شفشاون.. تقليد عريق يقاوم الاندثار ويحافظ على ذاكرة المدينة

الشاون بريس

يُعدّ “النفّار” من أبرز التقاليد الرمضانية التي ارتبطت بالهوية الثقافية لمدينة شفشاون، حيث ظل صوته لسنوات طويلة جزءاً من الأجواء الروحانية التي تميز ليالي شهر رمضان بالمدينة العتيقة.

فالنفّار هو الشخص الذي يتولى النفخ في آلة تقليدية تُعرف بـ“النفير”، وغالبا ما يعتلي صومعة أحد المساجد أو يجوب بعض الأزقة العتيقة، ليعلن للسكان عن محطات مهمة من اليوم الرمضاني.

وبعد أداء صلاة التراويح، يصدح صوت النفير في أرجاء المدينة، فيمنح ليالي رمضان طابعاً خاصاً يمزج بين الروحانية والحنين إلى الماضي. كما يعود النفّار لأداء مهمته قبيل وقت السحور، حيث يوقظ السكان استعداداً للصيام، ثم يعلن مرة أخرى اقتراب وقت الإمساك، معلناً لحظة التوقف عن الأكل والشرب.

وظلت هذه العادة لعقود جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان شفشاون، حيث كان الصغار والكبار ينتظرون سماع صوت النفير الذي يتردد صداه في الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة، معبّراً عن عمق ارتباط أهلها بتراثهم الأصيل.

غير أن هذه العادة بدأت في السنوات الأخيرة تعرف تراجعاً ملحوظاً، إذ أصبح حضور النفّار أقل مقارنة بالماضي، نتيجة تغير أنماط الحياة واعتماد الناس بشكل متزايد على الساعات والمنبهات والهواتف الذكية لمعرفة أوقات السحور والإمساك.

ورغم استمرار هذا التقليد في بعض المساجد، يشير مهتمون بالتراث المحلي إلى أن “التنفير” لم يعد يُؤدى اليوم بالطريقة ذاتها التي كان عليها في السابق، حيث طرأت تغييرات على النغمات والإيقاعات، ودخلت بعض الأساليب الجديدة التي يعتبرها البعض بعيدة عن الطابع التقليدي الأصيل.

كما كانت مهمة النفّار في الماضي تُسند إلى أشخاص يتمتعون بخبرة ومعرفة دقيقة بطريقة النفخ في النفير وإيقاعاته الخاصة، وفق أعراف متوارثة داخل المدينة. أما اليوم، فيرى عدد من المتتبعين أن هذه المهمة قد تُسند أحياناً إلى أشخاص لا يتقنون تلك القواعد القديمة، ما ينعكس على أصالة هذا الموروث.

ورغم هذا التراجع، يظل النفّار أحد الرموز البارزة للتراث الرمضاني في شفشاون، وشاهداً على زمن كانت فيه الطقوس الجماعية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للسكان.

وفي هذا السياق، يدعو العديد من المهتمين بالتراث المحلي إلى ضرورة الحفاظ على هذا التقليد وإحيائه، باعتباره جزءاً من الهوية الثقافية للمدينة وذاكرتها الرمضانية التي ينبغي نقلها إلى الأجيال القادمة.

مشاركة المقالة على :
اترك تعليقاً