تعدّ السيدة حبيبة الفقهية السميحي نموذجاً لافتاً للعالمة المغربية التي جمعت بين أصالة النشأة العلمية واتساع الأفق المعرفي، إذ تنتمي إلى أسرة علمية عريقة امتدت جذورها إلى قبيلة غمارة، وارتبطت ببيئة دينية صوفية زاهدة مثّلها والدها العلامة سيدي أحمد بن عبد السلام السميحي.
وقد انعكس هذا المحيط الأسري على مسارها التكويني منذ الطفولة، فنشأت في كنف والدها الإمام المدرس بطنجة، فحفظت القرآن الكريم صغيرة، ثم مضت إلى تلقي المتون اللغوية والشرعية وتوسيع مداركها في الفقه والحديث والسيرة النبوية، حتى صارت من أبرز النساء المشار إليهن بالعلم والفضل داخل وسطها الاجتماعي.
تميّزت تجربتها العلمية بانتقالها من التلقي الفردي داخل البيت إلى الانفتاح على الفضاء العام، وهو ما تجلى بوضوح سنة 1343هـ/1925م بعد زواجها من الفقيه محمد بن العياشي سكيرج ، ففي هذا البيت الجديد، الذي كان ملتقى للعلم والأدب، توسعت معارفها وازداد اهتمامها بالنتاج الأدبي، لا سيما فن التمثيل المسرحي وتجسيده للشخصيات والوقائع التاريخية، مما يدل على وعيها بأهمية الوسائل التربوية الحديثة في إيصال المعرفة، ولم يقتصر دورها على التحصيل الذاتي، بل تجاوزته إلى التعليم والإرشاد، حيث انخرطت مبكراً في مشروع محو الأمية وتعليم نساء طنجة، سواء في المدارس العمومية والحرّة أو داخل بيتها الذي حوّلته إلى حلقة علمية تستقبل فيها السيدات والفتيات للتوجيه والتعليم.
لقد مثّلت السميحي حلقة وصل مهمة بين التعليم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين، وبين الممارسات التربوية الحديثة التي تروم التفاعل والمشاركة، وهو ما يظهر في اهتمامها بالأدب وإنتاج أدباء مصر وحضارة المغرب وتاريخه.
فجمعت في شخصيتها بين رسوخ التكوين الشرعي وبين انفتاح ذهني مكّنها من استيعاب المتغيرات الثقافية المحيطة بها، دون أن تفرط في هويتها العلمية والدينية. وهذا التوازن بين الأصالة والمعاصرة هو ما منحها حضورا مؤثرا وسط قريناتها، وجعلها مرجعاً تربوياً يحظى بالتقدير داخل الوسط الطنجي النسوي.
على الصعيد الاجتماعي والوطني، كان لنشاطها أثر ملموس تجاوز حدود التعليم إلى العمل الخيري والتنظيمي، إذ ساهمت سنة 1957م في تأسيس أول جمعية خيرية نسائية بطنجة عُرفت بجمعية المحسنات، وخصصتها لإيواء اليتيمات ورعاية الفقيرات ،وقد كان هذا العمل مؤشراً على وعيها المبكر بأهمية المؤسسات المدنية في معالجة القضايا الاجتماعية، كما يعكس انخراطها غير المباشر في الحركة الوطنية عبر دعمها للمجهود الوطني ومناصرتها لكل ما يخدم المجتمع. فلم تكن مجرد عالمة منعزلة في محرابها، بل فاعلة اجتماعية تدرك أن العلم مسؤولية تجاه الآخر.
#المصادر:
ـ محمد بن العياشي السكيرج، نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق (1354/1935)، تحقيق الدكتور عبد الله عبد المؤمن الغماري الحسني، منشورات مركز جسور، ط2026، ص: 25.
✍️بقلم الأستاذ الباحث موسى المودن