في إطار ما اصطلح عليه بسياسة التدبير المفوض، يُعد تدبير ملف النقل الحضري (المؤدى عنه) من أعقد الملفات التدبيرية التي تواجه الجماعات المحلية، ويعود سبب الإشكال إلى عدم إحترام الشركات المفوض لها لبعض بنود دفتر التحملات مما يؤجل ويعطل خدمات ومصالح المواطنين.. يحدث هذا بشكل جلي كلما اقترب موعد انتهاء العقدة فتقل الخدمات و يتهالك الأسطول، فتسود العشوائية كما هو حال شركة النقل الحضري بتطوان.
يتبين بالملموس أن التدبير المفوض لم يضع حلا لمشاكل النقل العمومي مما صعب مهام المجالس المنتخبة التي تجد نفسها تواكب توسعا عمرانيا تشهده مدنها بسبب الهجرة القروية وغياب بنيات تحتية أساسية و افتقار أغلبها لموارد بشرية مختصة لمواكبة تنزيل بنود الاتفاقيات.
ومن العوامل التي تزيد هذا الملف تعقيداً ما أقره مجلس المنافسة الذي خلص في إحدى تقاريره إلى أن شركتي ” ألزا ” و “سيتي باس” تستحوذان على حصة تراكمية تراوحت ما بين 80 و90 في المائة من السوق.
مجلس المنافسة بيَّن كذلك أن هناك حواجز دخول عالية تفرض شروط تقنية ومالية لولوج السوق لا تحفز إلا الشركات الكبرى وتحول دون دخول فاعلين جدد.
التقرير أكد أن العدد الضئيل لطلبات العروض تتعلق بعقود طويلة الأمد و تدوم لمدة تتراوح ما بين 10 إلى 15 سنة ويجري تمديدها بواسطة ملحق عقد في الغالب يستفيد منه الفاعل صاحب عقد الاستغلال، وبين أيضا أن نسبة ضعيفة من الفاعلين يشاركون في طلبات العروض بالمدن الكبرى بسبب محدودية قدراتهم المالية والتقنية فضلا عن تكلفة الاستجابة لهذه الطلبات والتي تفرض على الشركات متوسطة الحجم المشاركة في عدد محدود منها فقط بسبب تكاليفها غير القابلة للاسترداد .
جدير بالذكر أن بلدنا المغرب استفاد من تمويل بقيمة – 150مليون دولار من البنك الدولي – يخصص لبرنامج النقل الحضري ويهم من بين تعاقداته دعم القدرات قصد تقديم خدمة عالية الجودة في وسائل النقل العمومي، يساند الإستثمارات في البنية التحتية للقطاع ويحشد هذا الأخير المساعدة الفنية لتقديم المشورة بشأن السياسات الرئيسية لتحسين نظم حكامة هذا القطاع وتطوير خدماته وإتاحتها بأسعار معقولة لساكنة المدن.
الحادث المأساوي الذي حدث أخيرا بأحد أحياء مدينة تطوان (حجار العروسة) والذي خلف وفاة سيدة – رحمها الله – وإصابات متفاوتة الخطورة لبعض الركاب اِنضافت إليها حادث احتراق حافلة في أحد أهم شوارع تطوان والتي خلفت حالة من الخوف والفزع عند مستعملي باقي الخطوط ، ولولا الألطاف الإلهية لحدثت كارثة في الأرواح …
لذلك أرى بأن كل ما يحدث هو بالأساس يعود لتراجع الجودة في الخدمات وغياب شبه كلي للجان المراقبة، وقد سبق لنا كفريق لحزب العدالة والتنمية بمجلس جماعة تطوان أن نبهنا رئاسة المجلس لخطورة الوضع وحذرنا مسبقا من حدوث كارثة، وعللنا تدخلنا بما لمسناه من تراجع الخدمات وترهل هياكل أسطول الشركة، والتسيير العشوائي لهذا القطاع الحيوي، وعدم تعامل الجماعة والمجموعة بحزم مع مسؤولي الشركة لمطالبتهم بتفعيل مقتضيات دفتر التحملات وتنزيله على أرض الواقع.
سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن أصدر تقريرا نبه فيه إلى غياب آليات المراقبة المكلفة بتتبع مدى التزام الشركة بمقتضيات دفتر التحملات.
ورغم إحداث ما يسمى بمصلحة المراقبة الدائمة لكن مهامها تبقى غير كافية لضبط مدى احترام الشركة لالتزاماتها .
خلال السنة الماضية لوحظ شبه إجماع على انتقاد خدمات الشركة سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو بيانات بعض الأحزاب السياسية التي أكدت على تراجع جودة خدمات الشركة وخصوصا بعد حدوث حوادث سير في مجموعة من الخطوط الرابطة بين الأحياء، والتي لولا الألطاف الإلهية لحدث الأسوء كنتيجة حتمية للأعطاب الميكانيكية والتقنية للحافلات والتي أصبحت مسألة عادية، رغم ما تُخلفه عادة من ضياع مصالح المواطنين وخصوصا طلبة الجامعات و الكليات والمعاهد بالإقليم..
هذه الاختلالات والخروقات التي تخللت تطبيق بنود دفتر التحملات، و مع محاولة تهريب النقاش السياسي للمكتب المسير لهذا الملف من دورات المجلس وحصر قراراته ومداولاته على مؤسسة محدثة تحت مسمى “مجموعة الجماعات الشمال الغرب ” والتي يترأسها حاليا – رئيس مجلس جماعة تطوان – .. وفي غياب البلاغات الصادرة عن المؤسسة و المجلس الجماعي، وفي غياب التقارير التي يجب أن تعرض على أنظار المجلس حول وضعية قطاع النقل الحضري، ومع خروج بعض الأصوات “النشاز” من داخل الأغلبية المسيرة تنتقد أداء الشركة.. كل هذا يُؤشر بالملموس على مستوى التخبط والعشوائية في تدبير هذا الملف الحيوي، وما صدور بلاغين للشركة – بشكل استباقي – و اللذيْنِ تضمنا تبريرات لكل الحوادث الخطيرة التي حدثت، ويرميان بالمسؤولية على عاتق الجماعة…بينما نجد أن السبب يتجلى في أسطولها المهترئ.. لكن الشركة – حسب إحدى بلاغاتها – تُفيد أن الجماعة رفضت عرضاً لتجديد الأسطول باقتراح إدخال 150 حافلة جديدة بمواصفات عالمية لهذا الغرض، غير أن رئيس جماعة تطوان رفض هذا الاقتراح ؟؟ وأكدت الشركة أن هذا الرفض مسجل في محضر اجتماع اللجنة المحلية للتحكيم بحضور عامل عمالة تطوان؟؟ .
هذا الصمت المطبق لكل مسؤولي الجماعة ولمجموعة جماعات الشمال الغربي أيضاً التي كان من المفروض أن تعقد ندوة صحفية لشرح ملابسات الملف، لكن للأسف تم ترك الرأي العام المحلي يتخبط لوحده لاستكشاف حيثيات هذا الملف .. يتم كل ذلك في ظل تعطيل ما يصطلح عليه – مبدأ الحق في الحصول على المعلومة – والذي صادق عليه المجلس الجماعي كالتزام لضمان عضويته في الحكومة المنفتحة.
وعليه فإننا كفريق في العدالة والتنمية تتبعنا عن كثب كل حيثيات الملف، و رصدنا مآلاته المستقبلية على مستعملي النقل الحضري بالمدينة ، والتي منها :
– غياب مجموعة من الخدمات في خطوط محورية داخل المدينة .
– بروز ظاهرة ما يسمى بالخطافة أو النقل السري المنفلت من أي ضابط أخلاقي أو قانوني وتفاقمها.
لكل ذلك.. تدارسنا السبل و السيناريوهات والتأثيرات المحتملة في ظل عدم تجديد الشركة الحالية لأسطولها وعدم تنفيذ برنامجها الاستثماري المتعاقد عليه ، علما أن إعداد دفتر تحملات جديد يمر بمجموعة من المراحل التي تتطلب حيزا زمنيا يتقدمه طلب عروض مفتوح يتعلق بدراسة الجدوى التقنوإقتصادية والمالية و هو ما قد يتطلب إنجازه أيضاً شهوراً وما يتبعه من إعداد ملف متكامل وطلب عروض للنظام الجديد الذي يجب أن يجيب على كل الإنتظارات – خصوصا الشق الإستثماري وإحترام المعايير المطلوبة في أسطول الحافلات الذكية الصديقة للبيئة -…
وحتى لا تتكرر نفس الكارثة ولتفادي إزهاق مزيد من الأرواح نطالب كفريق بالمجلس بما يلي :
☆ فسخ العقد مع الشركة .
☆ إبرام عقد تفاوضي مع إحدى شركات النقل لتدبير القطاع لمدة سنة .
هي تدابير مستعجلة في إنتظار إستكمال كل الإجراءات القانونية لدخول الشركة الجديدة .
عادل بنونة- رئيس فريق العدالة والتنمية بجماعة تطوان