الوالي اليعقوبي والقاضي الفدرالي الأمريكي
في سابقة من نوعها أصدرت المحكمة الإدارية بمدينة الرباط، والتي تشتغل بمسطرة إجراءات القانون المدني التابعة لفروع القانون الخاص، حكما على ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة بمبلغ قدره مليار ونصف سنتيم، الأمر الذي يعتبر ضربة أخرى موجعة لمفهوم المرفق العام ونظرية فعل الأمير، والاجتهاد القضائي لمجلس الدولة الفرنسي في قضية” كوتياس” الشهيرة.
نحن في هذا المقال لانشتغل كدفاع عن الوالي اليعقوبي، ولا نقوم بدور بوق الدعاية لولاية طنجة تطوان الحسيمة، لكن فقط نمارس دورنا من خلال إبداء الرأي القانوني الذي نراه في تقديرنا سديدا، من أجل حماية المصلحة العامة ،بعد أن إستأسدت المصلحة الخاصة، وبسطت نفوذها على كل مناحي الحياة بهذا البلد.
وبناء على ذلك، نرى أن الوالي اليعقوبي في هذه القضية المرفوعة ضده، كان يمثل المرفق العام، بعبارة أوضح؛ كان يمارس ذلك النشاط الذي تقوم به السلطة العامة، من أجل تحقيق مصلحة عامة وليست مصلحة فرد أو شخص معين، هذه المصلحة العامة تعتبر جوهر وجود الدولة، والمتمثلة في إشباع حاجيات المواطنين والمواطنات من مختلف أنواع الخدمات الضرورية.
في تقديرنا البسيط ونحن لا نطلق الكلام على عواهنه، أن مثل هذه الأحكام الصادرة عن قضاة متشبعين فقط بنصوص القانون الخاص، ستؤدي إلى إضعاف المركز القانوني للمسؤولين عن تسيير الشأن العام، وجعلهم مترددين في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، من أجل ضمان استمرارية المرفق العام وديمومته.
إن إطلاق مسطرة الحجز لدى الغير على عواهنها، والتي تعود بالنفع، والمال الوفير، فقط على أصحاب العقار، وبعض المحامين والأعوان القضائيين، ستؤدي لا محالة إلى جعل المرافق العمومية كلها عرضة للبيع بالمزاد العلني في هذا البلد.
وعندما نطلع عن التجارب المقارنة والفضلى في العالم، نجد مثلا أنه بالولايات المتحدة الأمريكية مهد التقاليد القضائية المستقلة؛ هناك مقولة لأحد ألمع القضاة الفدراليين في هذا الصدد، مفادها ” إنه لأمر خطير أن تتم مقاضاة ومحاسبة المسؤولين أثناء قيامهم بمهامهم، حيث سيشعرون، بالقلق وعدم القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة، التي تصب في المصلحة العامة، لذا فإني أفضل كممارس للقانون، أن تتم محاسبتهم ومقاضاتهم بعد إنتهاء مهامهم كمسوولين عن الإدارة العامة، لأن المسؤول الذي يشعر بالخوف دائما يتخذ قرارت جد سيئة”.
يُذكر أن الاجتهاد القضائي المغربي سار مؤخرا على منوال مقاضاة مؤسسات الدولة و الجماعات الترابية مثل الأشخاص العاديين، ويتجلى ذلك بوضوح في اللجوء لمسطرة الحجز لدى الغير والتي تتم تنفيذا لقواعد القانون الخاص المحضة، التي تنهل فلسفتها القانونية من معين النظرية العامة لقانون الإلتزامات والعقود.
بريس تطوان