في مطالع الصّبا، وبينما نحن نلعب بين الدروب ونتناثر بين الحارات، كانت تستوقفنا دقات متوازنات من الإيقاع مليئة بالمعاني، تجعلنا نسترق السّمع إلى مقامات رفيعة تشدو بها نساء الحضرة، في مناسبة دينية أو عرس أو عقيقة أو في جلسة تحفّها البشائر ويشملها خشوع القلوب وصفاء الأرواح…

عائشة أبراق صوت الأجيال القادمة من شرفة النّجمة، وها هن نساء وصبايا حملن ومن جديد الكثير من سماتها وغنى موروثها وصارت خطواتهن تُسمع خارج الآفاق.
بحس وجداني وعبر كلمات تحيل الظاهر إلى الأثر، تروي عائشة أبراق، قيدومة الحضرة النسائية، همسات البدايات: “كنت في شبابي أعشق الأمداح والقصائد؛ وهو ما دفعني إلى حفظ الأذكار، إذ كنت أتردد رفقة زوجة أبي وبمعية السيدتين عائشة أزياتة وفاطمة الشلية على الزاوية “الشقورية ” بالمدينة ذائعة الصيت في المجال الصوفي، حيث كنا ننصت إلى وصلات من الأذكار على إيقاع موسيقى الآلة التي نسجت معهما حوارا خفيا، وساعدني في هذا السّمو الروحي ذاكرتي القوية التي انغمست بها في الحفظ السريع بالرغم من أنني لم أتعلم القراءة والكتابة”.
هكذا، وجدت عائشة أبراق نفسها على عتبة فن الحضرة وسعته، بعدما لاقت رفضا من قبل زوجها الذي اقتنع فيما بعد بأهمية هذا الفن الذي يرتبط بالذائقة والرّغبات. وقد كانت أول حفلة عرس تحضرها رفقة فرقتها الجديدة المتكونة من ستة أفراد، بمنزل “دار العاقل” أواخر الستينيات. كم كانت متخوفة آنذاك، لكن الوصلات تركت انطباعا مميزا بين الحضور.

لقد كانت جل البيوت الشفشاونية لا تخلو يوميا من لحظات متواصلات من الأذكار؛ ففي سنوات الخمسينات والستينات إلى أواخر السبعينيات، كانت النساء تجتمعن في بيت إحدى الجارات، يوحدهن التلاحم والتعاون والعمل أيضا، بحيث كن يقمن بعدة أعمال يدوية كإعداد الصوف وغزلها على إيقاعات الأذكار والأمداح.
وتذكر هنا الفنانة عائشة أن الشقيقتين للارحمة وخدوج عذرون كانتا تردّدان أكثر حضرة سيدي علال الحاج.. إضافة إلى “الخمسية والزكارية” .. فضلا عن أن السيدة الفاضلة لافطوم البقالي ابنة سيدي علال الحاج هي من قامت بالتعريف بطقوس الذكر والحضرة ما بين أوساط النساء بمدينة شفشاون، وما زال بعضهن إلى الآن يتردّدن على إحدى الزوايا مساء كل يوم جمعة، ليتقاسمن ومضات اللغة المتضمنة للأبعاد الصوفية.
وتُعرِّف عائشة أبراق الحضرة قائلة: “هي مجموعة من الأمداح والأذكار من شعر الملحون والقصائد المنسوبة للصالحين، كسيدي محمد بن علي دفين تاغزوت وسيدي علال الحاج دفين الحرايق (إقليم شفشاون).. وثمة أيضا أشعار سيدي عبد القادر العلمي وغيرهم…، فلكل هؤلاء طقوس حضرتهم، ولكل مناسبة كذلك طريقة استحضار أذكارها.
ويُفضل القيام بالحضرة داخل بيت يتوسطه فناء واسع، ففي البداية نجلس القرفصاء ونقوم بترديد بعض الأذكار والصلاة على رسول الله، ثم بعدها “الدنْدنة”، ( بداية دخول الحضرة ) إلى أن نصل إلى “الجلالة”، حيث تقف النساء في صف واحد متناسق متقاربات الأكتاف، ويبدأن في التمايل جهة اليمين واليسار وإلى الأمام في لحظات من الخشوع التام، وهو ما يسمى بتكسير الحضرة، تتخللها إيقاعات موحدة منسجمة ومتواصلة على (التعاريج) و(البنادير)”.

وبين هذه الطقوس التي تجرى بكل حماس ودقّة بين (الحَضّاراتْ) والتي تحيل إلى لحظات أكثر اتساقا وانسجاما وهي تجمع نساء المدينة، فيمكن أن تستغرق مدة ساعة أو أكثر، لتجلس النّساء على الأرض من جديد وتقمن في الختام باستحضار بعض الأزجال الخفيفة والدعوات المختلفة.
وتستحضر عائشة أبراق وهي تطالع جريان مرحلة ومسيرة حافلة: “كنت أقوم بتغيير بعض الأبيات الزجلية التي لم ترقني من مثل (إذا كنت أنا العاصي خلوني منّي لله)، وبعد تعديلها أصبحت: (إذا كنت أنا العاصي ردّوني لحدود الله)، إذ ما فائدة ترك العاصي متماديا في معصيته؟”.
وتزيد السيدة عائشة: “من المؤكد هناك بعض الحضور للحضرة النسائية في الكثير من الزوايا بمناطق مختلفة كمدينتي فاس وتطوان على سبيل الذكر، ولكن تبقى لكل مدينة خصوصيتها في كيفية تقديم فن الحضرة وفق طرقها وبنياتها وتجسيداتها”..

وعن مكانة فن الحضرة في نفوس الأجيال الجديدة تبوح عائشة أبراق بانكسار المسافات وهي تصغي للذكريات: “حقيقة بدأت الحضرة تشهد بعض التراجع، وهذا يعود إلى طبيعة متغيرات الوقت الذي حمل إلينا لغة (الشْطيح والرْديح). ومن هذا المنطلق، أصبح الجيل الحالي يفضل ما هو غنائي شعبي، إذ تجد أغلبهم من يقول بأن الأذكار (كتْجيبْ النعاسْ). آه من غرابة هذا الزمن”..
وتشير من جانب آخر عائشة أبراق عن عادات الأعراس وحضور الحضرة النسائية بها، إلى أن الأعراس في المدينة كانت تمتد أسبوعا كاملا، إذ تنطلق من يوم الثلاثاء بذهاب العروس إلى الحمّام، ويكون يوم الأربعاء يوما “للنْزولْ ” (انطلاق العرس) . وفي نظرها دائما بأن “النيّة” كانت حاضرة في كل تجليات الحياة، بحيث كانت تقوم بمزج البيضة بالعسل بعد تكسيرها بمفتاح قديم وصبها على شعر العروس، تفاؤلا بدخولها حياة جديدة وكذلك لإبعاد النحس عنها، حيث إن بعض الأسر ما زالت تطلب منها القيام بذلك إلى الآن، وكانت أم العروس بعد مدة من عرس ابنتها تقوم بزيارتها حاملة إليها طاجينا من اللحم “وطيفورا” من (السْفنْج).

كانت أمنية عائشة أبراق دائما وما زالت العمل على التعريف بهذا الفن بين أوساط الفتاة الشفشاونية وحمايته من الاندثار، وسبق لها في هذا الجانب أن قامت بإجراء تداريب مكثفة مع العديد من الفتيات، وهناك من واصل حمل هذه الرسالة . “الحضرة صابون القلوب، أسعْدوا اللّي والعْ فيها… نترجّاك يا علاّم الغيوب تجْعلي التّوبة فيها”، تختم قيدومة الحضرة النسائية الشفشاونية.