“مجانين” يتجولون في شوارع وزان .. قنابل موقوتة وحرمان
يجوب شوارع مدينة وزان 17 فردا من الأشخاص الذين يعانون أمراضا وأزمات نفسية، وهم من مختلف الحالات الاجتماعية والأعمار ولكل واحد منهم حكاياته؛ غير أن القاسم المشترك بينهم يكمن في المعاناة من اضطرابات نفسيّة.. بعضهم تنكّر له الأقارب، وآخرون أضحوا قنابل بشرية موقوتة تكشف حجم العبث واللامبالاة التي تشوب تعاطي الدولة مع هذا الملف الحساس في انتظار التفاتة قد تأتي وقد لا تبرز بالمرّة..
وضعية كارثية تلك التي يعيشها المرضى النفسيون والمختلون عقليا بمدينة وزان على غرار باقي مدن المغرب، إذ العديد منهم يتجولون وسط الشارع العام بكل حرية؛ حتى أضحوا مشهدا مألوفا يزيد من عبء الحياة، وما عدد الجرائم والانتحارات المتفاقمة سوى إشارة إلى خطورة الوضع بالإقليم، لا سيما في ظل غياب مراكز ومؤسسات لعلاجهم وإيوائهم؛ ما يجعلهم عرضة للتشرد ولسعات البرد ولفحات الشمس.
أصبحت تقرع الأجراس بشدة في الآونة الأخيرة بشأن واقع الأمراض النفسية والعقلية بالمغرب، فالمريض العقلي أو النفسي بات مثل قنبلة موقوتة تعيش بيننا. ويرجع ذلك إلى سيادة تمثل اجتماعي حول الأمراض النفسية ، يلازمه مصطلحات الجنون والحمق، وهي بالمناسبة كلمات لا تستعمل في تقسيمات الطب النفسي الحديث وليس لها أي معنى علمي محدد وواضح، يبقى هدفها ترهيب الناس من المرض النفسي والترويج لمفاهيم خاطئة.

مزابل قوم عند قوم موائد
محمد مرغاد، رئيس فرع وزان من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قال “إن المختلين عقليا يعانون في صمت، وباتوا يكسرون طمأنينة وهدوء ساكنة المدينة”، مشيرا إلى كون غالبية الحالات تجهل هوياتها أو حتى الأماكن التي قدموا منها؛ بينها حالات تستوجب عناية وإجراءات إنسانية وطبية خاصة، حتى تستعيد شكلها العادي والطبيعي.
وشدد الفاعل الحقوقي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن “بعض الحالات تنزع إلى العنف وغالبا ما يهددون السلامة الجسدية للمواطنين وسط الشارع”، وكثيرة هي الحالات التي تخرج عن المألوف بأن نصادفها في أوضاع غير إنسانية دون ملابس وتقتات من حاويات الأزبال في مشهد تقشعر له الأبدان.
وذكر رئيس فرع AMDH وزان بمضمون الإعلان الخاص بحقوق المتخلفين عقليا وما يمنحه لهذه الفئة من حقوق معادلة لتلك التي يتمتع بها الأسوياء، داعيا كافة المدبّرين بالمدينة إلى توفير ما تتطلبه حالاتهم من علاجات ورعاية طبية مناسبة، زيادة على التأهيل والتوجيه بطريقة قادرة على إنماء القدرات والطاقات إلى أقصى حد ممكن، وكذا تمتيعهم بحياة لائقة…
وأضاف المتحدث ذاته: “فإذا اقتضت الضرورة وضعهم في مؤسسة وجب أن تكون بيئتها وظروف الحياة فيها أقرب من بيئة وظروف الحياة العادية.. هذا ما تفيد به توصيات المواثيق الدولية التي تبقى مجرد حبر على ورق”، يؤكد مرغاد.
وأبرز الفاعل الحقوقي ذاته أن “تعاطي الدولة مع هذا الملف ينبغي أن يستحضر الجانب الوقائي، وأن يقدم حلولا كفيلة بوضع حد للمشكل عوض الاقتصار على الحملات الموسمية التي تتم أجرأتها بين الفينة والأخرى”، داعيا إلى “ضرورة تمكين هؤلاء الأشخاص من العلاج والمواكبة الطيبة النفسية المختصة وفق ما تنص عليه المواثيق الدولية.

مسؤولية من؟
عبد السلام البخوتي، مندوب التعاون الوطني بإقليم وزان، قال إن مشكل المرضى النفسيين يدخل ضمن اختصاصات ومسؤولية السلطات المحلية قصد إحالتهم على المراكز الصحية المختصة؛ وذلك بتعاون مع مندوبية التعاون الوطني.
واعتبر البخوتي وضعية المرضى النفسيين مشكلا عويصا يحتاج إلى بنية استشفائية خاصة بالإقليم تجنب الجميع عناء البحث عن مستشفى يقبل بإيواء وعلاج هذه الفئة من المجتمع التي تحتاج عناية خاصة.
وأكد مندوب التعاون الوطني إحالة السلطات المحلية بوزان لحوالي 20 شخصا ممن يعانون أمراضا نفسية على مستشفى الأمراض العقلية بتطوان استقبل منهم 5 حالات، فيما تم رفض الباقي تحت مبرر محدودية الطاقة الاستيعابية مع تمكينهم من وصفات دوائية.
واستحضر البخوتي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، مجهودات المندوبية التي يرأسها في التعاطي مع الحالات الاجتماعية، بتنسيق مع السلطات المحلية وممثل اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان، خلال موسم البرد من خلال توفير الإيواء الدائم أو المؤقت لـ37 حالة؛ من بينهم 7 نساء بدار العطف المخصصة لإيواء العجزة وكبار السن.
وأشار المتحدث ذاته إلى مشروع مركز الإسعاف الاجتماعي، تم اقتراحه ضمن برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هذه السنة، والذي يروم تقديم الإسعاف الطبي والنفسي والاجتماعي للأشخاص في وضعية الشارع إلى جانب توفير الإيواء المؤقت والسريع للأشخاص الذين هم في وضعية هشاشة مؤقتة أو يعيشون في الشارع مع إرساء نظام اليقظة لظاهرة الهشاشة والإقصاء الاجتماعي وتقديم خدمة المساعدة المتنقلة للطوارئ الاجتماعي (SAMU social) ، مستحضرا مشروع بناء مركز للأطفال في وضعية صعبة والذي بلغت نسبة إنجازه حوالي 70 في المائة سيخصص لإيواء أطفال الشوارع في مقبل الأيام.
الشاون بريس. هسبريس