الترحال السياسي قبيل الانتخابات.. بين البحث عن فرص جديدة وإعادة ترتيب الخريطة الحزبية

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تعود ظاهرة انتقال المرشحين والمنتخبين بين الأحزاب السياسية إلى واجهة المشهد، في ظل احتدام التنافس بين التنظيمات على استقطاب الوجوه التي تتوفر على حضور وتأثير انتخابي على المستوى المحلي.
وتثير هذه التحركات، التي تتكرر بشكل لافت مع اقتراب كل موعد انتخابي، نقاشاً واسعاً حول دوافعها وانعكاساتها على الخريطة السياسية، بين من يعتبرها نتيجة لحسابات انتخابية ومصالح ظرفية، ومن يرى فيها شكلاً من أشكال إعادة ترتيب المشهد السياسي، وحرية الفاعلين في اختيار الإطار الحزبي الذي يرونه أكثر ملاءمة لطموحاتهم.
وفي هذا السياق، يرى بلال لمراوي، الباحث في القانون العام، أن ظاهرة الترحال السياسي هي قبل كل شيء “ظاهرة إنسانية قبل أن تكون ظاهرة سياسية”، موضحاً أن الإنسان بطبيعته يميل إلى التجديد والتغيير، ويسعى باستمرار إلى تطوير موقعه وتحسين ظروفه، وهو ما يمكن إسقاطه كذلك على السلوك السياسي.
وأوضح لمراوي، في تصريح خص به الشاون بريس أن انتقال الفاعل السياسي من حزب إلى آخر لا يعني بالضرورة تغيراً في قناعاته الإيديولوجية، وإنما قد يكون نتيجة لجملة من الاعتبارات من بينها التحولات التي يعرفها المشهد السياسي، والظروف المحلية، وطبيعة العلاقة بين المنتخب والتنظيم الذي ينتمي إليه، فضلاً عن الحسابات والمصالح والرهانات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.
ويبرز الباحث أهمية العامل المحلي في تفسير هذه الظاهرة، خصوصاً في المناطق ذات الطابع القروي، حيث تلعب العلاقات الشخصية والاجتماعية والعائلية، وأحياناً الروابط القبلية، دوراً مؤثراً في تحديد الاختيارات الانتخابية.
ويرى أن قراءة التحولات في الانتماءات الحزبية تظل ناقصة إذا اقتصرت على الجانب الإيديولوجي والتنظيمي فقط، لأن الواقع الانتخابي المحلي تحكمه مجموعة من الاعتبارات المتشابكة، تتداخل فيها العلاقات الاجتماعية مع الحضور الانتخابي والقدرة على التواصل والتأثير داخل الدوائر الانتخابية.
وبخصوص المنافسة الانتخابية القائمة على البرامج والمشاريع، يعتبر لمراوي أن هذا النقاش يظل في جزء كبير منه، “نقاشاً نخبوياً”، ولا يعكس بالضرورة طبيعة المنافسة الانتخابية، خاصة على المستوى المحلي.
ففي نظره تظل الاعتبارات المرتبطة بالواقع المحلي والروابط الاجتماعية والانتخابية عاملاً أساسياً في تحديد موازين القوة، وهو ما يجعل نجاح أي حزب مرتبطاً بمدى قدرته على فهم خصوصيات المجال الذي ينافس فيه.
ويضيف الباحث بلال لمراوي أن الحزب القوي ليس بالضرورة الحزب الذي يمتلك أفضل البرامج على الورق، وإنما الحزب الذي يستطيع تكييف هذه البرامج مع الواقع المحلي، واستثمار مختلف المعطيات والخصوصيات من أجل بناء قوة انتخابية قادرة على تحقيق أكبر عدد ممكن من المقاعد.
ومن هذا المنطلق يرى لمراوي أن الانتماء الحزبي قد لا يكون، بالنسبة لبعض النخب السياسية المحلية، كافياً لتحقيق الطموحات الانتخابية والسياسية، خصوصاً عندما يشعر الفاعل السياسي بأن التنظيم الذي ينتمي إليه لا يوفر له الشروط المناسبة للتنافس، أو لا يمنحه هامشاً كافياً للتحرك والتعبير عن طموحاته وتمثيل مصالح دائرته.
وقد يدفع هذا الوضع، بحسب الباحث، بعض الفاعلين إلى تغيير انتمائهم الحزبي والبحث عن إطار سياسي آخر يوفر لهم فرصاً أكبر لتحقيق طموحاتهم السياسية والانتخابية.
ويعتبر لمراوي أن هذا الاختيار يمكن النظر إليه باعتباره خياراً سياسياً مشروعاً، ما دام يتم في إطار القانون واحترام قواعد المنافسة الديمقراطية.
كما يلفت إلى أن الارتهان الكامل للانتماء الحزبي قد يحد، في بعض الحالات، من قدرة الفاعل السياسي المحلي على الترافع عن قضايا منطقته ومشاكلها، خاصة عندما تتعارض الأولويات الحزبية مع خصوصيات وانتظارات المجال المحلي.
وفي قراءة مغايرة للصورة التقليدية المرتبطة بظاهرة الترحال السياسي، يرى بلال لمراوي أن هناك “رؤية مغلوطة حول الترحال السياسي”، موضحاً أن الظاهرة لا ينبغي اختزالها فقط في انتقال الأشخاص من حزب إلى آخر.
ويطرح الباحث زاوية أخرى للنقاش، تتمثل في إمكانية اعتبار التنظيمات السياسية نفسها في حالة “ترحال” نحو الأفراد، من خلال توجهها إلى استقطاب وجوه جديدة وإعادة تشكيل تركيبتها حول شخصيات تتوفر على حضور انتخابي ومجتمعي.
ويشرح أن الأحزاب السياسية قد تسعى، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إلى استقطاب أسماء وازنة وقادرة على ضمان نتائج انتخابية أفضل، بما يعزز حضورها داخل المؤسسات المنتخبة، وخاصة البرلمان، ويدعم موقعها في المشهد السياسي ويفتح أمامها إمكانية المشاركة في تدبير الشأن العام والحكومة.
وبحسب لمراوي، فإن هذا النوع من الاستقطاب لا ينبغي بالضرورة النظر إليه باعتباره ممارسة سلبية، بل يمكن اعتباره جزءاً من طبيعة المنافسة السياسية، بل يرى أن “هذا ما يجب أن يكون”، ما دام يتم في إطار القانون والقواعد الديمقراطية.
وتكشف هذه القراءة أن ظاهرة الترحال السياسي، خصوصاً على المستوى المحلي، تبدو أكثر تعقيداً من مجرد انتقال منتخب أو مرشح من لون حزبي إلى آخر.
فبين القناعة السياسية، والطموح الشخصي، والحسابات الانتخابية، والعلاقات الاجتماعية، وخصوصيات كل منطقة، تجد الأحزاب والفاعلون السياسيون أنفسهم أمام مشهد متغير باستمرار، تزداد فيه أهمية الأسماء والوجوه القادرة على تحقيق نتائج انتخابية ملموسة.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن التنافس لن يقتصر فقط على البرامج والشعارات، بل سيمتد أيضاً إلى استقطاب الشخصيات والفاعلين المحليين، وهو ما قد يجعل الخريطة السياسية والحزبية مرشحة لمزيد من التحولات خلال المرحلة المقبلة.
وفي نهاية المطاف يبقى السؤال المطروح : هل يعكس الترحال السياسي تغيراً حقيقياً في القناعات، أم أنه في كثير من الحالات مجرد إعادة تموقع استعداداً لمعركة انتخابية جديدة؟
مشاركة المقالة على :
اترك تعليقاً