السياحة الذكية بشفشاون.. حماس للتكنولوجيا يصطدم بإكراهات تقنية ومالية

الشاون بريس

كشفت دراسة أكاديمية حديثة أن التحول نحو «السياحة الذكية» والاعتماد على الحلول الرقمية في تدبير النفايات بمدينة شفشاون لا يزال في مراحله الأولى، إذ تظل معظم المقترحات التكنولوجية المطروحة مجرد تصورات مستقبلية لم تدخل بعد حيز التجريب والتطبيق الميداني.

وأوضحت الدراسة، التي أعدها الباحثان مراد فاره وخديجة الإدريسي من جامعة الحسن الأول بسطات، ونشرت في عدد غشت 2026 من مجلة «Revue Économie, Gestion et Société»، أن استعمال التكنولوجيا في القطاع السياحي بالمدينة يقتصر حالياً على أدوات بسيطة ومحدودة، رغم وجود اهتمام متزايد لدى الفاعلين المحليين بالانتقال إلى أنظمة أكثر تطوراً.

واعتمد الباحثان في دراستهما على 28 مقابلة شبه موجهة مع فاعلين محليين، إلى جانب 18 يوماً من الملاحظة الميدانية بين مارس ويونيو 2025، حيث أظهرت النتائج وجود ما وصفته الدراسة بـ«مفارقة في الجاهزية الرقمية». فقد أبدى 26 مشاركاً من أصل 28 استعداداً لاعتماد التكنولوجيا الحديثة، غير أن هذا التوجه يصطدم بإكراهات تقنية ومالية وتنظيمية.

وأظهرت المعطيات أن الاستخدام الأكثر انتشاراً للتكنولوجيا يتمثل في مجموعات «واتساب» التي يستعملها أصحاب دور الضيافة لتبادل المعلومات بشأن حركة السياح، إلى جانب الهواتف الذكية التي يعتمد عليها المرشدون السياحيون في عملهم.

أما في مجال تدبير مؤسسات الإيواء، فلم تسجل الدراسة اعتماد برامج متخصصة للحجوزات سوى لدى ثلاث مؤسسات من أصل عشر شملها البحث، بينما لا يزال باقي الفاعلين يعتمدون على السجلات الورقية أو جداول إلكترونية بسيطة.

وسجلت الدراسة، في المقابل، غياب نظام رقمي موحد يربط بين معطيات السياحة والماء والنفايات، معتبرة أن تدبير النفايات يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المدينة. وأشارت إلى أن موضوع تراكم الأزبال حضر بشكل متكرر خلال المقابلات، في وقت أظهرت فيه الملاحظات الميدانية تجاوز عدد من الحاويات العمومية طاقتها الاستيعابية خلال فترات الذروة، خصوصاً بالمدينة القديمة.

كما رصدت الدراسة ضغطاً سياحياً ملحوظاً على بعض المحاور داخل المدينة، حيث سجلت وجود أعداد كبيرة من الزوار في مواقع محددة خلال ساعات الذروة، وهو ما يعكس الحاجة إلى حلول أكثر فعالية لتنظيم تدفقات السياح وتخفيف الضغط عن الأزقة والمرافق.

وتواجه عملية التحول الرقمي، بحسب الدراسة، مجموعة من الإكراهات، من أبرزها ضعف جودة الاتصال بالإنترنت داخل عدد من الأزقة الضيقة بالمدينة القديمة، فضلاً عن محدودية الإمكانيات المالية للمنشآت الصغيرة، والأولوية التي تمنحها السلطات المحلية للخدمات الأساسية، مثل الماء والطرق والصيانة وجمع النفايات.

وفي هذا السياق، اقترحت الدراسة اعتماد مقاربة تدريجية للتحول الرقمي، تبدأ بتحسين شبكات الاتصال وتوفير خدمة «واي فاي» عمومية، إلى جانب تكوين الفاعلين المحليين وإطلاق مشاريع نموذجية محدودة خلال المرحلتين الأولى والثانية.

وتقترح الخطة، في مراحل لاحقة، توسيع استخدام الأنظمة الرقمية لتتبع النفايات والماء، وتنظيم حركة الزوار، وربط السياح بالصناع التقليديين، على أن يتم تأجيل اعتماد التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي إلى مراحل أكثر تقدماً، بعد توفير البنية التحتية والشروط الضرورية.

كما شددت الدراسة على ضرورة تفادي الإقصاء الرقمي، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات الأكبر سناً، واعتماد منصات متعددة اللغات، مع ضمان حماية البيانات وتوفير بدائل غير رقمية، بما يحافظ على دور المرشدين والسكان والفاعلين المحليين.

وخلص الباحثان إلى أن نجاح أي تجربة للسياحة الذكية في شفشاون لن يقاس بمجرد إدخال التكنولوجيا، وإنما بمدى قدرتها الفعلية على تحسين تدبير المدينة، والحد من الاكتظاظ وتراكم النفايات، وتحسين الخدمات، وتعزيز مداخيل الفاعلين المحليين والصناع التقليديين، وذلك من خلال اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس النتائج قبل وبعد تنفيذ المشاريع.

مشاركة المقالة على :
اترك تعليقاً