تنسيقية المتضررين بشفشاون… في الحاجة إلى نموذج في الترافع

في الثاني عشر من فبراير سنة 2026 أعلنت الحكومة المغربية بعض المناطق المتضررة من الإضطرابات الجوية الاستثنائية التي شهدتها البلاد خلال شهري دجنبر ويناير مناطق منكوبة، وشمل هذا التصنيف جماعات أربعة أقاليم هي العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وصفها البلاغ الحكومي آنذاك بالمناطق الأكثر تضررا.

بموجب ذلك أعلنت الحكومة في نفس البلاغ عن برنامج للمساعدة و الدعم بميزانية توقعية تبلغ 3 ملايير درهم، تضم أربعة محاور لتقديم مساعدات لإعادة الإسكان، وتعويضات عن فقدان الدخل، وإعادة بناء المساكن المنهارة، وتقديم مساعدات للمزارعين ومربي الماشية، إضافة إلى إعادة تأهيل البنيات الأساسية الطرقية والهيدروفلاحية المتضررة.

ولا شك أن القرار الحكومي آنذاك أفرح الكثيرين من المتضررين كما أغضب الكثيرين أيضا خاصة بأقاليم شفشاون والحسيمة وتاونات و تطوان.

فبإقليم شفشاون حيث كان يبدو الوضع أكثر بؤسا من مناطق أخرى متضررة بحكم الطبيعة الجبلية للإقليم الممتد على مساحة 3400 كلمتر، كانت وسائل الإعلام والفيديوهات الموثوقة بمنصات التواصل الإجتماعي ما زالت توثق لحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الطرقية والمساكن التي جرفتها التربة بعشرات الدواوير كدوار أغبالو على سبيل المثال لا الحصر و الذي تغيرت معالمه بالكامل، فالإقليم كان ما زال يحصي خسائره في وقت أُعلنت أقاليم أخرى مناطق منكوبة لتستفيد من دعم إستثنائي.

في وضع إنساني كهذا كان لا بد أن تتعالى أصوات الرفض والإحساس بالغبن والإقصاء والتهميش والنسيان، أصوات إحتجاج عفوي هنا و هناك بهذا الإقليم الجبلي الممتد، أصوات تطالب بالمساواة في المأساة، وبالإنصاف في رد الإعتبار، وبالحق في الدعم إسوة بالمناطق الأخرى “المنكوبة”.

ولأن ساكنة إقليم شفشاون الجبليون أناس طيبون جدا ومسالمون جدا رغم ماضيهم المجيد في الجهاد دفاعا عن حوزة الوطن ضد المستعمر الإسباني.

ولأن أبناء هذا الإقليم واعون بأهمية دولة المؤسسات وأهمية سلك قنوات تغلُب فيها الحكمة على الإندفاع، وتغلُب فيها المصلحة العامة على المكاسب الفردية، أعلنوا في 28 من فبراير الماضي عن تأسيس “التنسيقية الإقليمية للمطالبة بدعم المتضررين من الإضطرابات المناخية بإقليم شفشاون ” تضم في عضويتها ممثلين عن كل الدوائر والجماعات القروية المتضررة، بعيدا عن أي انتماء سياسي أو نقابي أو جمعوي ، و سطرت التنسيقية برنامجا نضاليا يهدف بالأساس إلى:

تجميع المعطيات الميدانية عن حجم الأضرار في ملف للترافع

طرق أبواب كل مؤسسات الوساطة كالأحزاب و المؤسسات الدستورية و الإدارات الترابية بالإقليم.

والمطالبة بحق وحيد: إدراج جماعات إقليم شفشاون مناطق منكوبة إسوة بباقي المناطق الأخرى وترتيب الآثار القانونية على ذلك وتشمل دعم الساكنة لإعادة بناء مساكنها المهدمة كليا أو جزئيا وتسريع أوراش إعادة تأهيل الإقليم.

وبالفعل عقدت التنسيقية إلى حدود كتابة هذه الأسطر لقاءات مع بعض زعماء الأحزاب السياسية و رؤساء بعض المؤسسات الدستورية المعنية بالوساطة و حقوق الإنسان ممن استجابوا لدعوة اللقاء وقد نشرت التنسيقية نتائج هذه اللقاءات في بلاغاتها.

إن الأمر هنا لا يبدو في ظاهره مجرد منهج في المطالبة بحق مشروع بل نحن أمام نموذج حضاري و مؤسساتي في الإحتجاج بالترافع والثقة في المؤسسات وإعادة الإعتبار للوساطة المؤسساتية وتفعيل حقيقي لمضامين وروح دستور 2011.
فلا يمكن استيعاب أهمية منهجبة الترافع الذي سلكته تنسيقية إقليم شفشاون بمعزل عن أشكال احتجاجية ترابية أخرى عرفتها بعض مناطق المملكة خلال السنوات الأخيرة، أو احتجاجات قطاعية أو فئوية، ومآلات هذه الأشكال الإحتجاجية التي خدشت شئنا أو أبينا صورة المملكة التي تسير في اتجاه البناء المؤسساتي و المجتمعي.

انطلاقا من هذا الوعي الواعي سلكت تنسيقية إقليم شفشاون منهج الحوار و الترافع المؤسساتي ، و بناء على هذا السلوك الرصين تمكنت التنسيقية إلى اليوم من:

ترسيخ الثقة في المؤسسات الدستورية المعنية بالوساطة.

امتصاص فتيل غضب ساكنة الإقليم المتضررين.

تجنيب استغلال الملف انتخابويا.

والأهم من كل ذلك التأسيس لنموذج رصين في الترافع يؤمن بدولة المؤسسات، غير أن هذا النموذج لن يصمد إلا بالتجاوب مع مطالبه المشروعة، وبالإنصاف الترابي، وبإدراج إقليم شفشاون إقليما منكوبا للإستفادة من الدعم والتأهيل إسوة بباقي الأقاليم الأخرى “المنكوبة”.

فإلى أي مدى يمكن أن يلقى هذا النموذج ذلك الصدى الممكن؟

بلال بلحساين/إعلامي وباحث في الحكامة والسياسات المحلية

مشاركة المقالة على :
اترك تعليقاً