من محو الأمية إلى الدكتوراه.. عبد الله الحاجي يروي رحلة كفاح علمي استثنائية من جبال شفشاون

الشاون بريس

في مسار علمي استثنائي تختلط فيه الإرادة بالصبر والإصرار، تمكن عبد الله الحاجي، المنحدر من منطقة بني دركول بإقليم شفشاون، من تجاوز ظروف اجتماعية وتعليمية صعبة، ليشق طريقه نحو التحصيل الأكاديمي، بعدما بدأ رحلته مع التعلم في سن متأخرة، دون إلمام بالقراءة والكتابة، قبل أن يتوج مساره بثلاث إجازات جامعية وشهادتي ماستر، وصولاً إلى مناقشة أطروحة الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان يوم 10 أكتوبر 2026.

وتختزل تجربة الحاجي قصة كفاح بدأت من أحد الكتاتيب القرآنية بمسقط رأسه، حيث التحق به سنة 2007، وهو في التاسعة عشرة من عمره، وتمكن خلال ثلاث سنوات من حفظ القرآن الكريم كاملاً، في خطوة شكلت نقطة الانطلاق نحو مسار تعليمي طويل.

وبعد ذلك، التحق بمدرسة القوب للتعليم العتيق، حيث حصل على شهادة السنة السادسة من التعليم الابتدائي في سن الثالثة والعشرين، وتمكن من احتلال المرتبة الأولى على صعيد المؤسسة، قبل أن ينتقل إلى مدينة طنجة لمتابعة دراسته الإعدادية بمدرسة التوعية الإسلامية للتعليم العتيق، حيث حافظ على حضوره ضمن المراتب المتقدمة.

وخلال هذه المرحلة، استفاد من نظام كان يتيح للتلاميذ المتفوقين اجتياز اختبارات لتحديد مستواهم الدراسي، بما يسمح للناجحين بالانتقال من السنة الأولى إعدادي مباشرة إلى السنة الثالثة، دون المرور بالسنة الثانية. وقد تمكن الحاجي من اجتياز هذه المرحلة، منهياً السنة الثالثة إعدادي في المرتبة الخامسة على مستوى المؤسسة.

وفي السلك الثانوي، واصل دراسته بمدرسة الإمام مالك للتعليم العتيق بمدينة طنجة، حيث احتل المرتبة الثالثة خلال السنة الأولى، قبل أن يستفيد مجدداً من نظام الانتقال المباشر إلى مستوى البكالوريا بالنسبة للتلاميذ المتفوقين. وتمكن لاحقاً من الحصول على شهادة البكالوريا في التعليم العتيق بصفته تلميذاً متمدرساً، ثم شهادة ثانية في التعليم الأصيل، شعبة العلوم الشرعية، بصفته مترشحاً حراً.

وانتقل بعد ذلك إلى مدينة تطوان، حيث التحق بمعهد الإمام مالك للتعليم العتيق لاستكمال دراسته في الطور النهائي، قبل أن يقرر التوجه نحو التعليم الجامعي بكلية أصول الدين، ضمن مسلك أصول الدين والدراسات القرآنية والحديثية، الذي توج فيه مساره بالحصول على أول إجازة جامعية.

ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، إذ التحق خلال الموسم الجامعي 2018-2019 بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان لمتابعة دراسته في سلك الماستر، تخصص التربية والدراسات الإسلامية، وحصل على شهادته، قبل أن يوسع اهتماماته الأكاديمية بالالتحاق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية لدراسة الفلسفة.

كما واصل الحاجي تنويع مساره الدراسي، بحصوله خلال الموسم الجامعي 2020-2021 على شهادة البكالوريا في التعليم العمومي، مسلك العلوم الإنسانية، ثم عاد إلى كلية أصول الدين بتطوان لمتابعة دراسته في سلك الماستر، تخصص الفكر الإسلامي والحضارة بالمغرب، وهو المسار الذي مكنه من الحصول على إجازة ثانية في الفلسفة وماستر ثانٍ في الفكر الإسلامي والحضارة بالمغرب.

وفي إطار سعيه إلى توسيع معارفه، التحق خلال الموسم الجامعي 2022-2023 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، حيث تابع دراسته في سلك الإجازة، مسلك الأدب الإنجليزي، قبل أن ينتقل إلى مرحلة الدكتوراه بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان.

واختار الحاجي لأطروحته موضوع «منهجية التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية ووظيفتها في تجديد الفكر الإسلامي»، وهو البحث الذي استكمله وتوج بمناقشته يوم 10 أكتوبر 2026 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان.

وعن العوامل التي ساعدته على مواصلة مساره الدراسي وتحقيق هذا التراكم العلمي، يؤكد الحاجي أن هناك محفزين أساسيين رافقاه طوال رحلته، يتمثل أولهما في الفقر، وثانيهما في الوعي بالجهل والرغبة في التعلم الذاتي والمستمر، معتبراً أن هذين العاملين كانا من أبرز دوافعه لمواصلة طلب العلم وتجاوز الصعوبات.

وتبرز هذه التجربة أن مسارات النجاح العلمي لا تخضع دائماً للانطلاقات التقليدية، وأن تأخر الالتحاق بالتعليم لا يحول بالضرورة دون بلوغ مستويات أكاديمية متقدمة، متى توفرت الإرادة والمثابرة والرغبة المستمرة في المعرفة.

مشاركة المقالة على :
اترك تعليقاً